التخطي إلى المحتوى
قانون “إلغاء” التعليم الأزهرى فى مصر

رامى إبراهيم يكتب “أولو الألباب”: قانون “إلغاء” التعليم الأزهرى فى مصر

قانون إلغاء التعليم الأزهرى فى مصر,منتدى ازهرى التعليمى,بيان حالة لمعلمى الازهر,اخبار معلمى الازهر المالية,بوابة الازهر الالكترونية ترقيات,منطقة سوهاج الازهرية,بوابة معلمى الازهر الالكترونية,منتدى معلمى الازهر الشريف الارشيف,مميزات التعليم الازهرى

من بين 125 مادة تمثل مشروع القانون الذى قدمه النائب محمد أبوحامد لإعادة تنظيم الأزهر، تركز الاهتمام على تلك المادة التى تقنن للمرة الأولى إجراءاتٍ لمحاسبة وعزل شيخ الأزهر، وهو رد فعل مفهوم يعبر عن شعور جارف بالغضب إزاء تعمد إهانة أكبر موقع رمزى للمسلمين السنة فى العالم، وبما يخالف نصا دستوريًّا صريحًا وأعرافًا راسخة منذ ألف عام، إلا أن هذا التركيز-فى رأيى- قد يصرف الانتباه عن مواد أخرى فى القانون المقترح لا تقل خطورة.

القانون الذى من المفترض أن النائب المذكور هو الذى أعدّه يقوم -كما يبدو من قراءة نصوصه- على ثلاثة محاور: فك وإعادة تركيب المؤسسة الأزهرية بالكامل؛ لتكون خاضعة فى كافة هيئاتها للسلطة التنفيذية، ومحاصرة التعليم الأزهرى؛ لتقليص أعداد الدارسين، وتغيير محتوى المناهج الدراسية.

الهدف الأول هو بطبيعته الأكثر وضوحًا؛ فالمشروع يكاد يهدم الهيكل التنظيمى للأزهر، ثم يغير تركيبة الهيئات القائمة، ويستحدث مستوياتٍ جديدةً فى المؤسسة العريقة، وهو فى كل هذا يعتمد آليةً واحدة للاختيار: التعيين من السلطة التنفيذية، أو من التابعين لها إداريًّا، ورغم كل مناورات كاتب المواد، بتوزيع جهات اختيار الأعضاء؛ لإخفاء طبيعة النصوص التسلطية الفجة، إلا أنه لم ينجح فى تجميلها، فقد ظل واضحًا لكل ذى عينين أن الأكثرية فى جميع الهيئات ستكون لأعضاء تم اختيارهم من جهات خارج الأزهر؛ ليصبح التشكيل فى معظمه من مجموعة موظفين خاضعين إداريًّا لمن عيّنهم، وشخصيات عامة سيتم اختيارهم -بالتأكيد- وَفق قاعدة الولاء المعروفة.

أما الهدف الثانى وهو تقليص أعداد الدارسين فيتم أولًا بإلغاء الكليات غير الشرعية التى أضافها لجامعة الأزهر قانونُ التطوير الذى أصدره الرئيس جمال عبدالناصر سنة 1961، والمثير أن ذلك التطوير كان دومًا محل انتقادِ شيوخ الأزهر، ومن بينهم: الإمام الأكبر الحالى د.أحمد الطيب، حتى إن بعض الأزهريين أثارت دهشتَهم رؤيا الشيخ الشعراوى التى كشفت له عن أهمية وجود الطبيب الأزهرى والمهندس الأزهرى، فتوجه الشيخ على الفور لزيارة ضريح عبدالناصر.

ويتبنى قانون أبوحامد حذف هذه الكليات من جامعة الأزهر وتأسيس جامعة جديدة يُسمح بدخولها لغير المسلمين، وهى خطوة لا تأتى بالطبع استجابة لانتقادات قديمة لتطوير الأزهر تخلى عنها أصحابها أنفسهم، ولكن لإغلاق الباب أمام خريجى المعاهد الأزهرية وتضييق فرصهم فى الالتحاق بالتعليم الجامعي؛ حيث لن يتبقى لهم إلا الكليات الدينية، ممّا يعنى إلغاء أحد الحوافز المهمة للالتحاق من البداية بالتعليم الأزهرى، لكن المشكلة التى -لابد- واجهت الشخص أو الجهة التى كتبت القانون أن الكليات العملية ليست السبب الوحيد لإقبال الناس على إدخال أطفالهم فى التعليم الأزهرى، فكان الحل الثانى هو سد الباب نهائيًّا، فقرر المشروع منع بناء أى معهد أزهرى جديد لمدة 15 عامًا، والسماح باستمرار ثلاثة آلاف معهد فقط من الموجودين حاليًّا؛ أى: إغلاق نحو أربعة آلاف معهد أزهرى، تم بناء معظمها بأموالِ متبرعين يرغب أبوحامد فى إهدار إرادتهم، ويدرس بها مئات الآلاف من الطلاب الذين سيُجبرون عمليًّا على تغيير مسارهم التعليمى الذى اختاروه، حتى وإن ادعى القانون أنه سيتم تخييرهم؛ لأن المسافاتِ البعيدةَ التى تفصلهم عن أقرب معهد وقتها لن تجعل لهم -ومعظمهم من أبناء الفقراء- فرصة حقيقية للاختيار، ثم قد يظل -مع ذلك كله- عدد من الطلاب مصرّين على تلقى التعليم الدينى رغم صعوبة الوصول إلى أقرب معهد ورغم غياب فرصة دخول الكليات العلمية المرموقة، لكن النائب اليقظ لم يغب عنه إصرارهم؛ فقرر وضع شروط جديدة صارمة لقبولهم أولها: ألا تقل سن التلميذ عند دخوله الصف الأول الابتدائى عن 12 عامًا، أى أن المطلوب هو أن يستمر طفل محرومًا من التعليم حتى هذا العمر أو أن يلتحق بالتعليم العام حتى الشهادة الابتدائية ثم يترك مدرسته وزملاءه ليتحول أزهريًّا، أما إذا نجح أحدهم فى تحدى كل تلك العقبات فإنه مع ذلك لن يفلت من “أبوحامد” الذى كتب أعجب شرط لقبول التلميذ فى الصف الأول الابتدائى، وهو أن يكون حافظًا القرآن الكريم قبل دخوله المعهد، ولا تَسأل عن المكان الذى سيحفظ فيه التلميذ فى ظل غياب الكتاتيب، ولا عن عدد الأطفال الذين سيكونون مؤهلين بعد كل هذه الشروط التعجيزية لدراسة علوم الدين، فالهدف الواضح كالشمس هو إلغاء التعليم الأزهرى برمته.

تعانى المعاهد الأزهرية من قصور يماثل القصور الذى يعانى منه التعليم عمومًا فى مصر، لكن الحل المطروح الآن على البرلمان ليس معالجة الخلل وإنما القضاء على التعليم الدينى فى مصر واقتلاعه من جذوره، دون أن يفكر أحد فى الكلفة السياسية بل والأمنية لخطوة كهذه، فالمتوقع هو نشوء مدارس أهلية لتعليم الدين فى البيوت والمساجد بعيدًا عن قبضة الدولة وعن عيونها، إلا إن كان هناك من يظن أنه سينجح فيما فشل فيه الاتحاد السوفيتى نفسه الذى جعل السجن المؤبد عقوبة دراسة الدين فى الجمهوريات الإسلامية، ورغم ذلك لم يتوقف المسلمون عن تعلم دينهم، ونشأت المدارس الدينية السرية برعاية الطرق الصوفية التى كانت محظورة رسميًّا.

إقرأ أيضا :   اعرف الاوراق المطلوبة منك للترقية والاوراق المطلوبة من مدرستك

ولا يكتفى القانون المشئوم بكل هذا، لكنه يضع عراقيل أيضًا أمام التحاق غير المصريين بجامعة الأزهر، وكأن مَن كَتبه عدو لهذا الوطن الذى اكتسب جزءًا كبيرًا من قيمته الخارجية بدور الأزهر التعليمى.

وما عَلاقة كل هذا العدوان على المؤسسة الدينية الرسمية بمحاربة الإرهاب؟

ثم يأتى الهدف الثالث للقانون وهو الأهم والأخطر، بل ربما هو الهدف الأصلى، وهو تبديل محتوى المناهج الأزهرية.

لم يتضمن القانون كلمة واحدة عن أسس منهج الأزهر المعروفة، بل على العكس تمامًا قدّم إشارة غامضة فى تشكيل هيئة كبار العلماء حيث اشترط أن «يُراعى فيهم التنوع المذهبى والفكرى لتمثيل مختلِف التوجهات والمدارس الفكرية فى الأمة الإسلامية» بما يفتح الباب أمام ضرورة تمثيل الشيعة مثلًا، والطريف أنه نصّ على نسبة محددة من التمثيل النسائى فى جميع الهيئات، وكأنها برلمان وليست هيئات علمية يدخلها العضو لاعتبارات موضوعية لا تتعلق بجنسه.

ويعتبر القانون المقترح أن من مهام مجمع البحوث الإسلامية «العمل على الحد من استخدام النصوص الشرعية التى أشكل تفسيرها وتحتاج إلى إمعان النظر خاصة فى مراحل التعليم الأساسى والتعليم الثانوى، وتناولها فى مراحل التعليم الجامعى والدراسات العليا»؛ سيكون إذًا مطلوبًا من الموظفين الذين سيتم اختيارهم وإلحاقهم قسرًا بالأزهر أن يقسموا الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة إلى نوعين، تقتصر دراسة أحدهما على المرحلة الجامعية إذا كان يحتاج إلى «إمعان النظر».

ما معنى ذلك؟ لا يتركنا أبوحامد ومن يقف وراءه لتخمين المطلوب، فهو يحدد بتفصيل ممل ما هى الأفكار المسموح بتداولها بين طلاب الأزهر، وعلى سبيل المثال يقول فى فقرة سابقة تتحدث عن الأجزاء التى ستُحذف بقوة القانون من المناهج ويُحظر تدريسها: «الخرافات والأفكار التى تدعو للتواكل والدجل»، وبالتالى لنا أن نفهم أنه لن يُسمح بعد الآنَ بتدريس «خرافات» من وجهة نظره مثل أن يقال: إن بشرًا دخل النار ولم يحترق، وإن بشرًا ضرب البحر بعصاه فانقسم، وإن بشرًا نبع الماء من أصابعه وسبّح فى كفه الحصى -صلوات الله وسلامه على خير خلقه-.

أما بعد؛

نحن بهذا القانون أمام أول تَجَلٍّ تشريعى لمشروع فكرى متكامل يتخيل أصحابه أن الفرصة سانحة أمامهم للانقضاض على مفاصل الدولة لتنفيذ ما يريدون دون أى غطاء شعبى، حيث لم تُطرح أفكارهم أبدًا علنًا فى أى استحقاق انتخابى، ولم يفوضهم أحد لتنفيذ هذا العدوان على هُوِيَّة مجتمع، بل إنهم لم يطرحوا بشجاعةٍ أفكارهم من قبلُ، إذ كان أقصى ما يتم طرحه فى مشروع العلمنة هو حياد الدولة إزاء قضية الدين، لكننا الآن نفاجأ بمحاولات صريحة تعادى الدين وتقهر بوضاعة وخسة المتدينين.

وتستعيد مواقع التواصل الآن كلمة صاحب هذا القانون مخاطبًا سمير جعجع: «أنت سيدنا وقد تعلمنا منك».

يستفيد من يقف وراء مشروع القانون من لحظة خلاف سياسى ليمرر رؤيته التى أشك أن أحدًا من النواب يمكن أن يقبلها إذا أِتيحت له فرصةٌ حقيقية للفهم والنقاش، ويغامر أصحاب هذا الطرح باستقرار الوطن ويصنعون مُناخًا مناسبًا لاشتعال الفتن ويخرقون الدستور الذى ينص فى المادة السابعة على أن «الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه، وهو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم، وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه، وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء».

هذا ما يقوله الدستور، لكن موازين القوى فى الواقع لها كلمة أخرى، وإن كانت -بالتأكيد- ليست الكلمة الأخيرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *