سجل الدولار الأمريكي ارتفاعات ملحوظة خلال الأسبوع الماضي، متجهاً نحو أقوى مكاسب شهرية له منذ عام تقريباً، حيث ارتفع مؤشر الدولار إلى 100.17 نقطة يوم الجمعة 27 مارس، محققاً مكاسب شهرية تقدر بحوالي 2.5%، وهو أفضل أداء له منذ يوليو 2025، مما يعكس تحولاً واضحاً بعد فترة من الانخفاضات المتتالية استمرت أربعة أشهر قبل اندلاع الصراع الحالي.

الدعم الرئيسي للدولار جاء نتيجة تزايد النفور من المخاطرة، حيث دفعت الأزمات المستمرة في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى مخاطر انقطاع إمدادات الطاقة، رؤوس الأموال العالمية للعودة إلى الأصول الآمنة، كما أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط أثار مخاوف من التضخم، مما أجبر الأسواق على إعادة تقييم توقعاتها بشأن سياسة أسعار الفائدة للاحتياطي الفيدرالي، ومع أن المستثمرين كانوا يتوقعون خفض أسعار الفائدة هذا العام، إلا أن هذه التوقعات تبددت بشكل كبير، بل إن بعضهم بدأ يتوقع رفعها.

يعتقد الاقتصاديون أن قرار الاحتياطي الفيدرالي بالإبقاء على أسعار الفائدة عند 3.50% – 3.75% ليس مجرد توقف مؤقت، بل هو خطوة دفاعية حذرة في مواجهة متغيرات اقتصادية وجيوسياسية تتسم بزيادة عدم اليقين.

أبرز رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، حالة عدم اليقين “العالية بشكل غير معتاد” الناتجة عن الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، وأشار إلى أن وضع نموذج للسياسة النقدية في ظل الظروف الحالية “شبه مستحيل”، موضحاً ضرورة توخي الحذر في بيانه، حيث قال: “قد يكون التأثير الاقتصادي أكبر أو أصغر… ببساطة، لا نعلم”، ويواجه الاحتياطي الفيدرالي تحديات في الموازنة بين خطر ارتفاع التضخم بسبب صدمة الطاقة ومخاطر حدوث انكماش في سوق العمل

علق ستيف إنجلاندر، الخبير المصرفي في بنك ستاندرد تشارترد، على تصريحات باول، مشيراً إلى أنها كانت غامضة للغاية بشأن كيفية استجابة الاحتياطي الفيدرالي للحرب، مما يدل على أن الوكالة في حالة “تيسير مشروط”، مما يعني أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتصرف إلا عندما يكون التضخم قريباً من هدفه.

ارتفاع توقعات السياسة النقدية أدى إلى زيادة عوائد سندات الخزانة الأمريكية، مما عزز قيمة الدولار، حيث ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى حوالي 4.44%، بينما اقترب عائد السندات لأجل سنتين من 3.91%، مما يعكس ارتفاع تكاليف رأس المال واستمرار الضغوط التضخمية.

في المقابل، تراجعت قيمة معظم العملات الرئيسية الأخرى مقابل الدولار، وكان الين الياباني من بين الأكثر تعرضاً للضغوط، حيث ارتفع سعر صرف الدولار مقابل الين إلى 160.35 ين/دولار، وهو أعلى مستوى له منذ يوليو 2024، مما أثار مخاوف بشأن احتمال تدخل السلطات اليابانية، ولم يتأثر الين فقط بقوة الدولار، بل أيضاً بارتفاع عوائد السندات المحلية واعتماد اليابان الكبير على الطاقة المستوردة.

تراجع اليورو بشكل طفيف إلى حوالي 1.15 دولار أمريكي لليورو، بينما واصل الجنيه الإسترليني تراجعه للجلسة الرابعة على التوالي، مسجلاً انخفاضاً إلى 1.3268 دولار أمريكي للجنيه، وعلى مدار الشهر، انخفض الجنيه بنحو 1.5% مقابل الدولار، محققاً بذلك أكبر انخفاض شهري له منذ أكتوبر 2015، ومع ذلك، لا يزال الجنيه الإسترليني من بين العملات الأفضل أداءً منذ بداية النزاع.

توقعات السياسة النقدية في أوروبا والمملكة المتحدة تشهد تغيرات متسارعة، حيث يتجه البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا نحو سياسة نقدية أكثر صرامة للسيطرة على التضخم، إلا أن ارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع آفاق النمو يحدان من انتعاش عملتيهما.

في وقت سابق، أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة على الودائع دون تغيير في اجتماعه المنعقد في 19 مارس، مسجلاً بذلك المرة السادسة على التوالي التي لا يُجري فيها أي تعديل على سياسته المتعلقة بأسعار الفائدة، ولم يكن هذا القرار مفاجئاً لجميع المحللين المشاركين في استطلاع بلومبيرغ.

أشار البنك المركزي الأوروبي إلى أن الصراع في الشرق الأوسط قد زاد بشكل ملحوظ من حالة عدم اليقين الاقتصادي، مما يخلق مخاطر ارتفاع التضخم مع احتمال إضعاف النمو الاقتصادي، وسيكون لارتفاع أسعار الطاقة تأثير واضح على التضخم على المدى القصير، بينما سيعتمد التأثير على المدى المتوسط على مدى الصراع ومدته، فضلاً عن كيفية انعكاس أسعار الطاقة على أسعار المستهلكين والاقتصاد بشكل عام.

وسط استمرار التقلبات في أسواق النفط والغاز، أكد البنك المركزي الأوروبي مجدداً هدفه المتمثل في خفض التضخم إلى 2% على المدى المتوسط، ولا تزال الأسواق تستثمر بكثافة في احتمال قيام البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة مرتين هذا العام، في كل مرة بمقدار 0.25 نقطة مئوية، مع ترك احتمال بنسبة 50% لزيادة أخرى.

لا يقتصر الأمر على البنك المركزي الأوروبي، بل تتبنى بنوك مركزية رئيسية أخرى موقفًا حذرًا، حيث قرر بنك إنجلترا الإبقاء على سعر الفائدة الأساسي دون تغيير عند 3.75% بعد اجتماع لجنة السياسة النقدية، وجاء هذا القرار في ظل الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول إيران، والذي يتسبب في ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بشكل حاد، مما قد يؤدي إلى صدمة تضخمية ويعرقل فرص انخفاض تكاليف الاقتراض في المملكة المتحدة خلال الأشهر المقبلة، كما يُبرز هذا القرار حجم المخاطر التي يُشكلها الصراع على السياسة النقدية للجنة، التي تُعاني من خطر ارتفاع التضخم في ظل مؤشرات تباطؤ النمو الاقتصادي.

بين العملات الحساسة للمخاطر، انخفض الدولار الأسترالي إلى 0.687 دولار أمريكي/دولار أسترالي، متراجعاً بنحو 3% منذ بدء النزاع، أما الروبية الهندية، فقد انخفضت بشكل حاد، بأكثر من 5%، لتصبح العملة الأسوأ أداءً بين العملات الرئيسية.

في سوق العملات الرقمية، واجه البيتكوين ضغوط بيع كبيرة مع انتشار النفور من المخاطرة، حيث انخفضت العملة بنحو 4% في 27 مارس، لتصل إلى حوالي 66,650 دولارًا أمريكيًا للبيتكوين، ما أدى إلى محو المكاسب السابقة التي تحققت في المرحلة الأولى من الأزمة، وضغوط البيع نتجت عن خروج رؤوس الأموال من صناديق المؤشرات المتداولة للبيتكوين، بالإضافة إلى انتهاء صلاحية عدد كبير من عقود الخيارات، مما أجبر المستثمرين على تعديل مراكزهم.

يظهر أداء البيتكوين العلاقة الوثيقة والمتنامية بين أكبر عملة مشفرة في العالم والأصول التقليدية ذات المخاطر العالية، وفي ظل قوة الدولار الأمريكي، وارتفاع عوائد السندات، وتصاعد أسعار النفط، يحذر الخبراء من أن البيتكوين قد يواجه ضغوطًا هبوطية على المدى القريب إذا لم تهدأ هذه العوامل.