شهدنا مؤخراً عرض فيلم “آخر المعجزات” للمخرج عبد الوهاب شوقي، الذي استلهم قصته من مجموعة “خمارة القط الأسود” لنجيب محفوظ، حيث جذب الانتباه بحصوله على الجائزة الذهبية في مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، مما يعكس أهمية العمل في عالم السينما.
في إعادة تقديم القصة بأسلوب معاصر، يبرز شوقي كيف أن الزمن يتغير، لكن اعتقاد الإنسان بوجود ولي يعتمد عليه يظل ثابتاً، حيث يعكس الفيلم الصراع بين الهوية الإنسانية للبطل “يحيى” وهويته الأسطورية التي يفرضها عليه المجتمع.
الفيلم يسلط الضوء على رحلة يحيى الذي يحاول التمسك بإنسانيته وعفويته، لكنه يجد نفسه مستسلماً لإرادة الناس الذين يسعون لتحويله إلى صورة تتجاوز حقيقته البشرية، في تجسيد ذكي للواقع الذي يعكس صراع الهوية.
كما احتفظ العمل بروح النص الأصلي، حيث استطاع بناء عالم بصري موازٍ للقصة، من خلال تجسيد الأضرحة وتهافت المريدين، مما أضفى طابعاً مؤسسياً على الخرافة، لتصبح جزءاً من الموروث الشعبي الذي يتجاوز الأجيال.
الفيلم لم يكن دفاعًا عن الخرافة، بل أظهر كيف أن أجيالاً تربت في كنف هذه الأفكار، حيث أصبحت جزءاً من العقيدة، فالتردد على الأضرحة وانتزاع البركة أصبح من الممارسات الشائعة، مما يعكس حقيقة البحث عن الخلاص.
كما يتناول الفيلم سيكولوجية الدراويش، ويطرح تساؤلات حول مسؤولية المجتمع في صناعة المعجزة، من خلال تضخيم الأحداث وتحويلها إلى سير شعبية، مما يجعل البطل يتحول من شخص عادي إلى ولي عبر أحداث غير متوقعة.
أجواء الفيلم تعتمد على بناء بصري معقد، حيث تحاكي الكاميرا ارتباك يحيى خلال رحلته في البحث عن الشخصية الأسطورية “محمد شيخون الماوردي”، مما يضفي عمقًا نفسيًا على الأحداث.
تتلاعب الإضاءة بين العتمة والنور، مما يعكس الصراع بين الحقيقة والخيال، حيث تسلط الظلال الثقيلة الضوء على أجواء الحكاية، وتدعم فكرة البحث عن الخلاص وسط ظلام الجهل.
تظهر ملامح يحيى المتغيرة مشاعر الصدمة والارتباك، حيث يبقى عالقاً بين الحشود، مما يجعل المشاهد يشعر بعزلته الروحية رغم الزحام من حوله.
موت البطل أم موت الأسطورة؟
ينتهي الفيلم بوفاة البطل، مما يؤدي إلى انهيار قدسيته، حيث ينتج المجتمع الولي ثم يعدمه عندما لا تأتي المعجزة بثمارها، مما يطرح تساؤلات حول علاقة الأجيال الجديدة بهذه الأفكار.
السؤال المطروح هو: هل لا تزال الأجيال الجديدة تهتم بالبحث عن البركة من أصحاب المقامات، أم نشهد انحسار هذه الأفكار مع دخول التكنولوجيا والحداثة؟
رغم الانتقادات التي تعرض لها الفيلم، أثبت شوقي أن موضوعات أدب نجيب محفوظ لا تزال حية، وأن الهوية الثقافية والتراثية لمجتمعنا قادرة على التكيف مع الزمن.

