تتجاوز الدراما في العصر الحالي كونها مجرد وسيلة للترفيه، إذ أصبحت تمثل أداة فعالة لطرح القضايا الاجتماعية والإنسانية التي تهم المجتمع، حيث تناولت العديد من الأعمال الفنية موضوعات حساسة تؤثر على حياة الأسر، مما يفتح المجال لنقاشات حول مشكلات قانونية واجتماعية، ومع عرض مسلسل «أب ولكن» تجدد الحديث حول قوانين الأحوال الشخصية، وبالأخص قضية «الرؤية» بعد الطلاق، وهي قضية تمس حياة آلاف الأسر وتثير جدلاً مستمراً بين الآباء والأمهات على حد سواء، وفي السطور التالية نستعرض المزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع.

قدّم المسلسل نموذجًا دراميًا يعكس معاناة بعض الآباء بعد الانفصال، حيث تتحول علاقاتهم بأبنائهم إلى لقاءات محدودة وفقًا للقانون، وهو ما اعتبره البعض غير كافٍ لبناء علاقة طبيعية بين الأب وأطفاله، كما ألقى العمل الضوء على معاناة الجدات والأجداد الذين يبتعدون عن حياة أحفادهم بسبب النزاعات بين الأبوين بعد الطلاق، مما يدفع الأطفال ثمن هذه الخلافات، وقد دفعت هذه المعالجة الدرامية الكثير من المشاهدين للتساؤل حول مدى عدالة القوانين المتعلقة بالرؤية، وما إذا كانت تحقق التوازن المطلوب بين حقوق الأب والأم، أو إذا كانت تحتاج إلى مراجعة تشريعية تراعي مصلحة الطفل أولاً.

لاقى طرح هذه القضية تفاعلاً واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أشار عدد من المتابعين إلى أن المسلسل نجح في تسليط الضوء على معاناة بعض الآباء بعد الطلاق، مؤكدين أن الكثير من الآباء يشعرون بأن الوقت المخصص للرؤية لا يسمح لهم بأداء دورهم الحقيقي في حياة أبنائهم، ولا يمنح الأطفال فرصة كافية للتواصل الطبيعي مع الأب، ويرى هؤلاء أن الدراما قد تلعب دورًا في نقل هذه المشكلة إلى الرأي العام، مما قد يسهم في فتح نقاش مجتمعي أوسع حول تطوير قوانين الأحوال الشخصية لتحقيق مزيد من العدالة لجميع الأطراف.

في المقابل، يرى فريق آخر أن معالجة القضية في الأعمال الدرامية قد تكون مبسطة، ولا تعكس التعقيدات الحقيقية التي تحيط بالنزاعات الأسرية بعد الطلاق، حيث تتحمل الأمهات مسؤوليات كبيرة في تربية الأطفال بمفردهن، ويواجهن تحديات اقتصادية ونفسية عديدة، مما يجعل قضية الرؤية أكثر تعقيدًا من مجرد زيادة عدد الساعات أو تغيير مكان اللقاء، ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن أي نقاش حول تعديل القوانين يجب أن يأخذ جميع الأطراف بعين الاعتبار، مع التأكيد على أن مصلحة الطفل يجب أن تظل المعيار الأساسي في أي تغيير تشريعي محتمل.

ومع تصاعد النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي حول تناول قضايا الرؤية بعد الطلاق في مسلسل «أب ولكن»، تدخل المجلس القومي للمرأة في الجدل، مؤكدًا متابعته لما يُثار حول العمل الدرامي وتأثيره على صورة المرأة في المجتمع.

مرصد القومي للمرأة

قالت المستشارة أمل عمار، رئيس المجلس القومي للمرأة، إن مرصد دراما رمضان التابع للمجلس يتابع ما يثار حول المسلسل بعد الجدل الذي صاحَب الإعلان الترويجي له، مشيرة إلى أن المجلس تلقى شكاوى من سيدات اعتبرن أن “البرومو” قدّم صورة سلبية عن الأمهات بعد الطلاق أو بدا وكأنه ينحاز إلى وجهة نظر الآباء في نزاعات الرؤية.

أوضحت أن دور المجلس لا يهدف إلى التدخل في العمل الفني أو الحد من حرية الإبداع، لكنه يسعى إلى رصد الطريقة التي تُعرض بها قضايا المرأة والأسرة في الدراما، خاصة عندما يتعلق الأمر بموضوعات حساسة تمس حياة آلاف الأسر مثل الطلاق والحضانة والرؤية، وأضافت أن المجلس سيقوم بمتابعة حلقات المسلسل وإعداد تقرير تحليلي حول صورة المرأة فيه، وذلك في إطار دور المرصد في تقييم المحتوى الدرامي ومدى التزامه بتقديم صورة متوازنة وعادلة للمرأة.

يرى المجلس أن الأعمال الدرامية تمتلك تأثيرًا واسعًا في تشكيل الرأي العام، وقد تسهم في ترسيخ بعض الصور النمطية إذا لم يتم تناول القضايا الاجتماعية بحساسية وتوازن.

كما يشدد المجلس على أن أي نقاش مجتمعي حول قوانين الأحوال الشخصية يجب أن ينطلق من مبدأ تحقيق التوازن بين حقوق جميع الأطراف، مع وضع مصلحة الطفل في مقدمة الأولويات باعتباره الطرف الأكثر تأثرًا بالخلافات الأسرية.

بين هذه الآراء المختلفة، يبدو أن الجدل الذي أثاره المسلسل يعكس نقاشًا أوسع يدور في المجتمع حول كيفية تحقيق التوازن بين حقوق الأبوين بعد الطلاق، فالقضية لا تتعلق فقط بحق الأب في رؤية أبنائه، أو بحق الأم في رعاية الأطفال، بل تتعلق في الأساس بمستقبل الطفل نفسه، ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن للدراما أن تكون مجرد مرآة تعكس مشكلات المجتمع، أم أنها قد تتحول إلى قوة ناعمة تدفع نحو إعادة النظر في بعض القوانين؟ ربما لا تمتلك الأعمال الفنية وحدها القدرة على تغيير التشريعات، لكنها بلا شك قادرة على فتح باب النقاش، وإعادة طرح الأسئلة التي قد يتجنب المجتمع أحيانًا مواجهتها بشكل مباشر، وبين الرأي المؤيد والمعارض، تظل الحقيقة الأهم أن قضايا الأسرة تحتاج دائمًا إلى معالجة متوازنة تضع مصلحة الطفل في مقدمة الأولويات، وتبحث عن حلول تحقق قدرًا من العدالة والاستقرار لجميع الأطراف، وفى هذا السياق سوف نتعرف على آراء المختصين والخبراء في هذه القضية الحساسة

معارك قانونية

قالت منه وحيد، منسق عام حملة تمرد سيدات مصر ضد قانون الأسرة، إن الملايين من الآباء المطلقين وأسرهم يعانون منذ تغيير قانون الأسرة عدة مرات، حيث نُسي المشرع أو تناسى وجود الأب في معادلة التربية، وللأسف تم نسيان احتياجات الضحايا الأساسية، وهم الأطفال، من حقوقهم المعنوية والنفسية والإنسانية تحت شعار حقوق المرأة كما لو كان هذا المجتمع نسيجًا واحدًا وهي المرأة.

لسنوات عديدة حاول الكثير من الآباء إلقاء الضوء على معاناتهم ومعاناة أطفالهم، ولم يكن لديهم سوى وسيلة واحدة وهي مواقع التواصل الاجتماعي، ومع مرور الوقت أصبح عدد الآباء المتضررين في تزايد، وكانت مطالبهم حماية لأطفالهم الذين أصبحوا أيتامًا بسبب العناد، وهم على قيد الحياة وللأسف هذا كله بالقانون، ولا ننسى أنه كان يتم إعداد كل تشريع لصالح المرأة من خلال فيلم أو مسلسل، حتى وإن لم يلاقِ رواجًا مجتمعيًا، لكن الهدف كان واضحًا وهو تضييق الخناق على الآباء المطلقين، وللأسف أبناؤهم هم المتأثر الأول والأساسي من الانفصال، تمت محاولات عديدة من قبل ولكنها كانت خجولة، من خلال بعض البرامج، لكن احقاقًا للحق، هذه أول مرة يتم إلقاء الضوء على معاناة الأب المطلق من خلال عدة أعمال تلفزيونية، لكي يعلم المجتمع أن هناك أشخاصًا آخرين لهم حقوق كما عليهم واجبات.

تضيف: لمن يحاولون التسويق بأن هذه الأعمال تهمل المرأة والنظرة إليها، ماذا عن كل الأعمال السابقة منذ سنوات عديدة، حتى أن بعض الإعلانات نفسها شوهت دور الأب في المجتمع، لكن حاول مسلسل “أب ولكن” و”كان ياما كان” على سبيل المثال الدخول بعمق داخل عقل وقلب كل أب محروم من رؤية أطفاله، مع مراعاة إظهار هذه المعاناة على الشاشة، ومع كل التقدير والاحترام، فالواقع أسوأ بكثير، حتى أن أحدهم رد على بوست يروي معاناة الفنان محمد فراج لعدم رغبة ابنته في المسلسل في رؤيته، رد قائلاً: “ما تم إظهاره على الشاشة في هذا الموقف ١٠% فقط مما شعرت به عندما تعرضت لنفس الموقف”

الأب المطلق يُلقى اللوم عليه لأنه اتخذ قرار الطلاق، رغم أنه في أحيان كثيرة يكون مجبرًا، ولا ننسى الخلع الذي أصبح قضية إجرائية لا تأخذ أي وقت ويتم تدمير الأسرة، فماذا عن الأب الأرمل الذي يمر بكل هذه المعاناة دون أي ذنب سوى أن زوجته توفاها الله، فاتخذت والدتها مكانها وتم إقصاؤه جانبًا لأنه فقط رجل، هل يوجد أي نوع من أنواع العدل في هذا القانون الذي يحرم الطفل من والده بعد حرمانه من والدته؟ ماذا عن الأب الذي يتوفى وتعاني أسرته نفس المعاناة، فهم مسؤولون عن النفقة حتى لو لم تكن في استطاعتهم، لكن ليس من حقهم أو حق الطفل نفسه الذي أصبح بلا أب التواجد في وسط عائلته، حتى أن الرؤية للجدة فقط، والعم والعمة ليسوا من العائلة، بينما الخالة يمكن أن تكون حاضنة، والخال أصبح والدًا بدلاً من الأب، لابد من نسف هذا القانون مع الأخذ في الاعتبار أن الطفل المتضرر الأول له حقوق نفسية ومعنوية كما الحقوق المادية بالضبط، وأن يكون الهدف هو الطفل والمجتمع أولاً، حيث أن هذا القانون أفرز لدينا حالات عديدة من العقوق واضطراب الهوية الناتج عن صدمات الطفولة الشديدة.

دكتورة آية عبد المجيد، استشاري العلاقات الأسرية، قالت إن الصراعات بين الزوجين بعد الطلاق قد تتحول في بعض الأحيان إلى معارك قانونية طويلة يكون الأطفال هم الضحية الأولى فيها، فالتوتر المستمر بين الأب والأم قد ينعكس بشكل مباشر على الحالة النفسية للأطفال، خاصة إذا شعروا أنهم طرف في الصراع أو وسيلة للضغط بين الوالدين، لذلك فإن القضية لا تتعلق فقط بنصوص قانونية، بل تحتاج أيضًا إلى وعي مجتمعي بأهمية الحفاظ على استقرار الطفل النفسي والعاطفي بعد الانفصال.

من وجهة نظري، في مسلسل “أب ولكن” تم تصوير الآباء بشكل ضعيف وغير مسؤول، حيث يظهر الأب الخائن قليل الحيلة الذي يلجأ للأم والأخت لحل مشكلاته والإنفاق عليه، تزوجها ثم خانها، وهي ما زالت تُرضع طفله، قال لها صراحة: لم أحبك يومًا، لا يعمل ولا يدفع نفقة ولا يتحمل مسئولية، واليوم يجلس يشتكي طالبًا “حقوقه”

فى رأيي، المشكلة ليست في القانون، بل في رجال يريدون الحقوق كاملة دون أن يتحملوا أي مسؤولية، أما اختزال القضية في سحب ضمانات قانونية دون تقديم بدائل تحقق العدالة، فذلك لا يُعد إصلاحًا تشريعيًا، بل إخلالًا بمبدأ التوازن الذي يقوم عليه أي نظام قانوني مستقر.

مشاركة مجتمعية

وليد زهران، الناشط الحقوقي، هو أول من نادى بتعديل قانون الرؤية وتحويلها إلى استضافة، وأيضًا تخفيض سن حضانة الطفل إلى ٧ سنوات للولد و٩ للبنت، وهو أيضًا أول من نادى بإنشاء مجلس قومي للأسرة، ويعتبر الأب الروحي لكل الجروبات والصفحات التي تنادي بمطالب المتضررين من قانون الأسرة منذ عام ٢٠١١ حتى الآن، قال: إن الدراما وصفت الواقع وأظهرت معاناة الآباء في رؤية أطفالهم بعد الانفصال ومعاناة الجدات، ويجدد مطالبه بضرورة مناقشة قانون عادل يكون الطفل أول الاهتمامات وإقرار الرعاية المشتركة ووضع ضوابط لها والنزول بسن الحضانة كما كان في السابق، وأيضًا المشاركة في أي حوار مجتمعي لاستقرار الأسرة

أما عن مسلسل “أب ولكن” و”كان ياما كان”، فهي دراما لها تأثير قوي في توجيه الرأي العام، وقد نجحت الدراما في نقل صورة من الواقع تحدث يوميًا، ونستطيع أن نقول إنها أصبحت دراما الواقع، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح تأثير هذه الأعمال أكبر، حيث يتحول النقاش حولها إلى حوار مجتمعي واسع قد يمتد إلى المؤسسات التشريعية والإعلامية.

سلط مسلسل “أب ولكن” الضوء على قضايا الطفل والنظر إلى الحلقة الضعيفة في الصراع بين الأب والأم، ولن ينحاز إلى طرفي الصراع، وقد ناديت مرارًا بمنظومة جادة لحماية أطفال الطلاق، وأتوقع أن يتم فتح حوار مجتمعي لمنافسة قانون الأحوال الشخصية المعروف بقانون الأسرة، وضرورة سماع المتضررين والمهتمين بالشأن الأسري، وأتوقع أيضًا أن تكون الدراما سببًا في تسليط الضوء على قانون الرؤية الذي قطع الصلة بين الأب والطفل والذي يتطلب تعديله إلى اصطحاب الطفل إلى منزل الأب يومين أسبوعيًا، وأيضًا في الإجازات ليكون هناك رعاية مشتركة، وإعلاء المصلحة الفضلى للطفل، وأيضًا إعادة النظر في سن الحضانة والرجوع بالسن كما كان في السابق سبعة للولد وتسعة للبنت.

اقرأ أيضًا: «القومي للمرأة» يثمّن قرار وزير العدل بشأن دعم تنفيذ أحكام النفقة