عمان – تبرز قضية تفعيل صافرات الإنذار كأداة مهمة في إدارة المخاطر خلال حالات عدم الاستقرار الجوي، إلا أنها تثير تساؤلات حول مدى فعاليتها وارتباطها بمنظومة استجابة متكاملة، حيث يشير الخبراء إلى أن المشكلة ليست في غياب الأدوات بل في كيفية استخدامها، إذ إن تفعيل هذه الصافرات دون توجيه واضح من التعليمات والإجراءات يفقدها قيمتها العملية، مما يجعلها مجرد إشعار عام لا يوجه سلوك المواطنين، كما أن عدم تفعيلها في أوقات الخطر يثير التساؤلات حول جاهزية المنظومة ككل وقدرتها على الانتقال من النظرية إلى التطبيق الفعلي في الميدان، ويرى الخبراء أن فعالية الصفارات تتطلب تكاملها مع عناصر أخرى، تشمل دقة البيانات اللحظية وتحديد مستويات الخطورة جغرافياً ووجود بنية تحتية آمنة مثل مواقع الإيواء، بالإضافة إلى رسائل تحذيرية بسيطة تحمل إرشادات مباشرة قابلة للتنفيذ، وبدون هذا التكامل، يصبح الإنذار، سواء فُعّل أو لم يُفعّل، محدود الأثر في تقليل الخسائر.
مطالب بربط الإنذار المبكر ببيانات دقيقة واستجابة ميدانية فورية.
يأتي ذلك بالتوازي مع تأكيدات رسمية على اعتماد نظام الإنذار المبكر كمرجع لاتخاذ القرار الميداني، حيث أعلن وزير الإدارة المحلية وليد المصري عن رفع الجاهزية والتنسيق وفتح غرف العمليات ومتابعة البؤر الأكثر خطورة، خاصة مع توقعات أحوال جوية شديدة، وحاولت “الغد” التواصل مع وزارة الإدارة المحلية للاستفسار عن تفاصيل الموضوع لكنها لم تتمكن من الحصول على رد، ولم يعد التعامل مع تداعيات التغير المناخي، كالأمطار الوميضية والسيول المفاجئة، مسألة موسمية بل أصبح واقعاً يتطلب حوكمة استباقية للمخاطر، وفق الخبير في الشأن البلدي د. أسامة العزام، حيث أشار إلى أن منظومة الإنذار المبكر، بما فيها صافرات الإنذار، هي أداة أساسية للانتقال من سياسة إدارة الأزمة ورد الفعل إلى سياسة إدارة المخاطر والوقاية، وشدد على أن تفعيل هذه الصافرات، شريطة ربطها بقواعد بيانات دقيقة وأنظمة رصد لحظية وتمييزها عن الصفارات الأمنية، بات حاجة ماسة لتقليل الخسائر البشرية والمادية، وهو جزء لا يتجزأ من متطلبات التكيف المناخي التي يجب أن تتبناها الإدارة المحلية، وتابع قائلاً إن الاكتفاء بنشر الخرائط الجوية والبيانات الفنية المعقدة لا يفي بالغرض، بل قد يؤدي أحياناً إلى إرباك أو تهويل غير مبرر، وأكد أن المواطن العادي ليس خبيراً في أرصاد الجو، وما يحتاجه هو ترجمة هذه الخرائط إلى معلومات مبسطة وتوجيهات عملية وإجرائية على صيغة إجراءات واجبة التنفيذ، فالشفافية لا تعني فقط إتاحة المعلومة بل إتاحتها بصيغة مفهومة وقابلة للتطبيق من قبل المتلقي لضمان استجابته السليمة في الوقت المناسب، ولا يمكننا، بواقعية، بحسبه، أن نطلب من البلديات المنهكة مالياً أن تتحمل عبء بناء منظومة إنذار مبكر حديثة وتأسيس بنية تحتية ذكية بمعزل عن أدوات التمويل المناخي، والمخرج العملي والوحيد هنا، في رأي العزام، يكمن في استثمار النوافذ التمويلية الدولية المخصصة لهذا الغرض، وتحديداً عبر البناء على الإنجاز الوطني المتمثل في اعتماد بنك تنمية المدن والقرى لدى صندوق المناخ الأخضر، حيث يمثل هذا الاعتماد فرصة ذهبية وبوابة استراتيجية يجب على البلديات استغلالها لتقديم مقترحات مشاريع تكيف مناخي متكاملة، وأشار إلى أنه من خلال هذه الصناديق يمكن توفير المنح والتمويل الميسر لردم الفجوة التقنية وتأسيس غرف طوارئ لا مركزية وتدريب الكوادر، مما يحول خطط الاستجابة من عبء على الموازنات المحلية إلى استثمار دولي في أمن وسلامة مجتمعاتنا، ويجب أن ترافق تلك الخطوات، وفق تأكيداته، إرشادات ورسائل توعوية للمواطنين التي يجب أن تتسم بالوضوح والموثوقية والتوقيت المناسب، ودعا إلى اتخاذ الظروف الإقليمية الراهنة وما نشهده من تعامل مع تداعيات الحرب والتوترات الأمنية عبر الأجواء عبرة مهمة، فكما أن تعليمات الأجهزة المختصة عند انطلاق صافرات الإنذار الأمني تأتي صارمة ومحددة بخطوات سلوكية لا تقبل اللبس للمواطن، يجب أن ينسحب هذا المستوى من الحزم والوضوح والجدية على التهديدات المناخية، ومن الضروري أن تكون الإرشادات المناخية محددة جغرافياً وأن تتضمن تعليمات سلوكية واضحة ومباشرة تماماً كتعليمات الطوارئ العسكرية التي توضح أين نذهب للإخلاء وماذا تتجنب وكيف تتواصل مع غرف الطوارئ، وحث على استخدام قنوات التواصل المتعددة، بدءاً من الرسائل النصية القصيرة العاجلة مروراً بمنصات التواصل الاجتماعي للبلديات وصولاً إلى الإعلام المحلي والمساجد في الحالات القصوى لضمان استجابة سريعة تحمي الأرواح في وقت قياسي، ولتفعيل هذه الخطط والانتقال بها من حيز التنظير إلى التطبيق الميداني، اشترط العزام وجود تدخلات مؤسسية وفنية محددة تبني على المتاح وتعالج الخلل، وأجمل تلك التدخلات بوجوب تجاوز فكرة التدريب التقليدي للكوادر والتوجه نحو مأسسة وحدات إدارة مخاطر حقيقية داخل البلديات وتأهيل كوادرها فنياً لقراءة التحذيرات الجوية المعقدة وتشغيل غرف عمليات لامركزية قادرة على التنسيق اللحظي والمستقل مع الجهات المركزية.
تعدد مصادر المعلومات الجوية يربك المواطنين ويضعف الاستجابة.
ومن بين التدخلات التي حددها كذلك، تفعيل غرف عمليات لامركزية في البلديات تكون مرتبطة تقنياً ولحظياً بالمركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات ودائرة الأرصاد الجوية بالإضافة إلى وزارة الإدارة المحلية لضمان تدفق المعلومات الموثوقة وتوحيد جهود الاستجابة على الأرض في وقت قياسي، ولا بد من إلزام البلديات قانونياً بتحديث خرائط المخاطر الخاصة بها سنوياً واعتبارها شرطاً أساسياً لإقرار موازناتها وخططها التنموية تبعاً له، ويجب أن يتم ذلك عبر لجان طوارئ محلية ممثلة للمجتمع المحلي بشفافية، لأن نجاح أي نظام إنذار يعتمد أولاً وأخيراً على ثقة المجتمع المحلي واستجابته، وفق العزام، ضرورة استكمال البنية التحتية.
وفي رأي مستشار العمارة والتصميم الحضري، الدكتور مراد الكلالدة، فإن الحديث عن تفعيل صافرات الإنذار لمخاطر الفيضانات دون استكمال البنية التحتية اللازمة للتعامل معها يشبه إلى حد كبير تفعيل صافرات الإنذار أثناء الهجمات الصاروخية دون وجود ملاجئ للاحتماء، وأكد الكلالدة أن الإنذار بحد ذاته لا يكفي إذا لم يترافق مع منظومة متكاملة توفر للمواطن مكاناً آمناً وإجراءات واضحة للاستجابة، وأشار إلى ضرورة إنشاء ما يمكن تسميته بالبنية الفوقية الرقمية من خلال تطوير خرائط تفاعلية على مستوى وزارة الإدارة المحلية أو المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، ولكن يجب، بحد قوله، ربط البلديات بهذا النظام ضمن نموذج يقوم على مركزية التخطيط واتخاذ القرار مقابل لامركزية التنفيذ ميدانياً بما يضمن سرعة الاستجابة ومراعاة خصوصية كل منطقة، ولفت إلى أهمية أن يكون النظام ثنائي الاتجاه يتيح تغذية راجعة مستمرة بين البلديات والمركز بما يضمن تحديث البيانات بشكل لحظي ودقيق ويعزز كفاءة اتخاذ القرار في الظروف الطارئة، وعلى مستوى البنية التحتية، شدد الكلالدة على ضرورة حصر عناصر السلامة وتأشيرها بشكل واضح مثل مواقع الإيواء الآمن وقدرتها الاستيعابية وتوزيعها الجغرافي وجاهزيتها الفعلية على أن يتم إدراجها ضمن خرائط تفاعلية محدثة باستمرار تكون متاحة لصنّاع القرار والمواطنين على حد سواء، وأكد أن الأردن ليس بحاجة إلى إعادة ما وصفه باختراع الحلول، بل يمكنه الاستفادة من التجارب العالمية في أنظمة المعلومات الجغرافية الذكية سواء من خلال تبني أنظمة جاهزة أو تكييفها مع الواقع المحلي بما يسرع بناء منظومة إنذار مبكر فعالة ومتكاملة، وفي هذا السياق، أوضح الكلالدة أنه ليس مطلوباً من المواطن قراءة الخرائط أو تفسيرها، خاصة في ظل الفوضى الإعلامية التي ترافق تصنيف المنخفضات الجوية، حيث يعتمد طقس العرب مثلاً تصنيف الدرجات 1-5 والتي لا تتبناها دائرة الأرصاد الجوية، وأضاف أن حسم هذا التباين بات ضرورة ملحة من قبل الجهات الرسمية بما في ذلك وزارة النقل لضمان توحيد الرسالة الإعلامية وتفادي إرباك المواطنين، وضرب الكلالدة مثالاً على تجارب دول الجوار التي تعتمد تحديث مواقع الخطر مكانياً بشكل لحظي، في وقت تساءل فيه عن عدم توظيف هذه التقنيات في الأردن للحد من مخاطر الفيضانات أو التعامل معها بفعالية أكبر، وختم قوله بالتأكيد أن ما نحتاجه هو ثورة بيضاء في الإدارة المحلية تتجاوز الأساليب التقليدية القائمة على الخرائط الورقية نحو منظومة رقمية متكاملة، ودعا إلى تفعيل قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية من خلال إعداد مخططات إقليمية وهيكلية وتفصيلية مؤتمتة مرتبطة ببيانات محدثة من الجهات الخدمية المختلفة مثل سلطة المياه والأشغال العامة والاتصالات ودائرة الأراضي والمساحة بما يمكن البلديات من الوصول إلى خرائط لحظية تدعم إعداد خطط طوارئ محلية فعالة، رسائل توعوية مكملة.
بدوره، حذر الخبير في التنمية المستدامة والابتكار د. عودة الجيوسي من تفعيل صافرات الإنذار لإعلان قدوم الخطر من دون أن يتبعها أي إجراء احترازي أو وجود معلومات بشأن هذا الخطر وكيفية التعامل معه، ولفت إلى أن البلديات لديها أولويات أساسية، فهي تتسم بأنها فقيرة مؤسسياً ولا تمتلك الكثير من القدرات في هذا المجال، إلا أنه من المهم أن يرافق تفعيل الصافرات بث رسائل توعوية للمواطنين، وضرب مثالاً على هذه الرسائل باعتماد تطبيق ذكي لتجاوز الأماكن الخطرة واستعمال وسائل النقل العام بدلاً من الخاصة والاستماع للنشرات الجوية قبل الخروج من المنزل، ولتفعيل هذه الخطط، دعا الجيوسي إلى تطوير نموذج للابتكار المعتمد على المستخدمين.

