عمان تُظهر الدولة الأردنية نضجًا مؤسسيًا ملحوظًا في إدارة الأزمات المعقدة، حيث استطاعت تحويل التحديات الإقليمية إلى شهادة كفاءة دولية من خلال تطبيق منهجية “الاحتواء الاستباقي” التي توازن بين حماية الجبهة الداخلية اقتصاديًا وتعزيز دورها كمركز أمان عالمي.

يتوقف خبراء ومحللون أمام دلالات الأرقام والثقة الدولية التي يحظى بها الأردن في إدارته للملفات الاقتصادية والأمنية، مؤكدين أنه لا يتعامل مع الأزمات بردود الفعل بل بمنطق يسعى لفكفكتها ويسند معادلة الأمن الوطني الشامل.

وشددوا على أن الأردن يمتلك فرصة إستراتيجية وتاريخية للتحول إلى مركز لوجستي إقليمي مستدام، مستندًا إلى “هندسة تدفق” متطورة تربط ميناء العقبة بالمعابر البرية والبنية الرقمية، ومدعومًا باستقرار سياسي واقتصادي أثبت كفاءته في امتصاص الصدمات الإقليمية.

قال الخبير الأمني والإستراتيجي الدكتور بشير الدعجة إن هذه المقاربة لا يمكن فصلها عن الأرقام الدامغة التي سجلتها حركة العبور والإجلاء حيث عبر أكثر من 7 آلاف شخص من 60 دولة خلال شهر واحد فقط عبر 45 رحلة منظمة، وهو رقم يتجاوز كونه مؤشرًا إنسانيًا ليصبح دليلًا إستراتيجيا على مكانة الأردن في معادلة الأمن الإقليمي.

وأوضح أن الدول عندما تتخذ قرار إجلاء رعاياها لا تبحث عن المسار الأقرب جغرافيًا بل عن المسار الأكثر أمانا، وهذا القرار يُبنى على تقديرات أمنية واستخباراتية دقيقة تشمل تقييم الحدود وكفاءة الأجهزة وقدرة الدولة على إدارة الحشود والعمليات تحت الضغط، واختيار الأردن بهذا الحجم وهذا التنوع من الدول يعني أن هناك إجماعًا على أنه الأكثر موثوقية في هذه اللحظة الحرجة.

أما الدكتورة مها محمد الشيخ، أستاذة سلاسل التوريد والدعم اللوجستي، فتُعرف إدارة تدفق المنتجات والبيانات عبر الشبكة بـ “هندسة التدفق” التي تتجاوز اعتبار المخزون أرقاماً ثابتة، حيث يبدأ المسار من المورد فالميناء ثم النقل البري والتخزين وصولاً للسوق.

وأكدت أن قوة سلسلة التوريد تعتمد على تدفقها المستمر بتكلفة ووقت مناسبين وبموثوقية عالية من خلال رؤية شاملة ومراقبة الأداء، ولمنع انهيار السلسلة عند ازدحام نقاطها، يجب تمكين حلول متعددة المسارات وتحديد مواقع المخزون بذكاء والتواصل الرقمي.

وأوضحت الشيخ أن ميناء العقبة تزداد أهميته الإستراتيجية ويتعرض لضغوط أكبر عند اضطراب مضيق هرمز، كونه يوفر موثوقية تشغيلية وبدائل للطرق، ونظراً لموقعه على البحر الأحمر ودوره المحوري في تسهيل تجارة المنطقة، فإن الميناء يستوفي متطلبات هذا الدور بطاقة تشغيلية متنامية واستثمارات ضخمة، حيث يتوقع تعامله مع مليون حاوية نمطية.

قال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية الدكتور محمد المصالحة إنه بفضل حكمة القيادة في إدارة السياسة الأردنية داخلياً ودولياً، تميز الأردن بالقدرة على التعاطي بكفاءة عالية مع أحداث الإقليم، بما يحفظ استقرار الوطن ويؤمن احتياجات المواطن الضرورية لسير الحياة الطبيعية، ويظهر الأردن في هذه الأزمة مأوىً لمن يأوي إليه من الأشقاء بسبب دوامة الصراعات الإقليمية، وهو لا يؤدي هذا الدور لمكاسب ذاتية محضة، بل لمساعدة الأشقاء العرب، مما فرضه كممر مهم للإقليم والمجتمع الدولي لضمان الاستقرار.

وأكد المصالحة أن هذا الدور ليس جديداً، بل هو تأكيد لمقومات الأردن الجيوسياسية والإستراتيجية في كل الصراعات السابقة، حيث عمل الأردن دبلوماسياً على التهدئة ووقف التصعيد وتسهيل حركة المرور والأنشطة التجارية والإنسانية بين دول المنطقة، مما منحه مكانة يستحقها واحتراماً دولياً كدولة فاعلة في حفظ الأمن الإقليمي والدولي.

قال الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب إن استقرار وأمن الحدود والمعابر يمثلان ركيزة أساسية ليس فقط للأمن الوطني، بل لاستدامة النشاط الاقتصادي وحماية سلاسل الإمداد في ظل التوترات الجيوسياسية.

وأضاف أن أي اضطرابات بحرية ترفع من أهمية الممرات البرية الآمنة كبديل استراتيجي، يسهم في تقليل الاختناقات اللوجستية وخفض الكلف، ويعزز من جذب الأنشطة اللوجستية وإعادة التصدير، وأشار إلى أن التحركات الإقليمية، ومنها الممر اللوجستي السعودي لربط موانئ الخليج بالأردن عبر السكك الحديدية، تعكس تحولاً واضحاً نحو تعزيز الممرات البرية، ما يفتح أمام الأردن فرصة للتحول من ممر عبور إلى مركز لوجستي إقليمي.