عمان- تمثل معادلة العرض والطلب عنصرًا أساسيًا في تحقيق التوازن في سوق المنتجات الزراعية، إلا أن نجاحها يتطلب وجود رقابة صارمة وشفافة على عمليات البيع، مما يستدعي من الجهات الرسمية اتخاذ إجراءات لضبط الأسعار عبر وقف التصدير أو وضع سقوف سعرية للمنتجات الزراعية أو البحث عن خيارات بديلة لضمان استمرارية السلع في السوق بأسعار معقولة.

في هذا السياق، يعتبر خبراء زراعيون أن اللجوء إلى السقوف السعرية أو وقف تصدير الخضار والفواكه يمثل تحديًا كبيرًا، حيث لا يساهم ذلك في تحقيق التوازن بين حماية المستهلك ودعم المزارع، مما يستدعي رقابة فعالة من الجهات الرسمية لإدارة السوق.

وأوضح هؤلاء الخبراء في تصريحاتهم لـ”الغد” أن دعم صغار المزارعين والمنتجين وتنظيم الحلقات التسويقية وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد يعد أمرًا ضروريًا لتحقيق توازن السوق وضمان عدالة الأسعار، كما تسهم هذه الإجراءات في استقرار الأمن الغذائي في الأردن عبر تعزيز استمرارية الإنتاج المحلي وتقليل التقلبات السعرية وضمان توفر المنتجات الزراعية بجودة وكميات كافية للمستهلكين.

كما دعا الخبراء الحكومة إلى فتح أسواق موازية شعبية من المزارع مباشرة بالتنسيق مع أمانة عمان الكبرى، مما يعزز من إمكانية الوصول إلى المنتجات بأسعار معقولة دون الحاجة إلى فرض سقوف سعرية أو وقف التصدير.

تأتي هذه التطورات في ظل الجدل حول ارتفاع أسعار الخضار والفواكه إلى مستويات قياسية، في ظل أزمة إقليمية تؤثر على سلاسل التوريد، مما يستدعي من الجهات الرسمية وضع ضوابط للحفاظ على الأسعار وحماية المنتج المحلي بأسعار مناسبة.

في هذا الإطار، يرى الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن ارتفاع أسعار بعض المنتجات الزراعية، خصوصًا البندورة، يطرح سؤالًا مهمًا حول كيفية قدرة الحكومة، ممثلة بوزارتي الصناعة والتجارة والزراعة، على ضبط الأسعار بما يحقق التوازن بين حماية المستهلك واستدامة الإنتاج الزراعي.

وأضاف الزعبي أن وزير الزراعة صائب الخريسات أكد مؤخرًا أنه لا مبرر حاليًا لفرض سقوف سعرية على الخضراوات، مشيرًا إلى أن الأردن يعتمد بشكل كبير على إنتاجه المحلي، حيث تصل نسبة الاكتفاء الذاتي إلى 61%، مما يعكس قوة القطاع الزراعي ويضع مسؤولية كبيرة على آليات الرقابة الحكومية لضمان عدالة الأسعار.

وأشار إلى أن الأسواق شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار البندورة خلال شهر رمضان نتيجة انخفاض الكميات الواردة، حيث كانت الحاجة اليومية تصل إلى 450-500 طن، ومع عودة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية، أكد الوزير أن الكميات الحالية تكفي الاحتياجات المحلية بالكامل، وأن السعر المعتدل للبندورة يتراوح بين 70-80 قرشًا للكيلو.

وتطرق الزعبي إلى تنوع أدوات الحكومة لضبط الأسعار، بدءًا من وقف التصدير مؤقتًا لتوجيه الإنتاج نحو السوق المحلي عند حدوث ارتفاع غير مبرر في الأسعار، مرورًا بالتنسيق المستمر بين وزارتي الصناعة والتجارة والتموين والزراعة لرصد الأسعار والتدخل عند الحاجة.

وأضاف أن آلية العرض والطلب تتيح للسوق حرية تحديد الأسعار، لكن الحكومة تتدخل عند وجود اختلالات أو تجاوزات من خلال الرصد والمتابعة اليومية ومراقبة الكميات الداخلة للأسواق المركزية وضبط أي محاولات للاحتكار أو رفع غير مبرر للأسعار.

وأكد الزعبي أن التغير المناخي والتقلبات الجوية يشكلان تحديات حقيقية أمام استقرار كميات الإنتاج، مما يستدعي توجيه جهود القطاع نحو تبني أدوات الزراعة الحديثة كالزراعة المائية والبيوت البلاستيكية الذكية لضمان التدفق المستمر للسلع.

وفي أوقات ذروة الإنتاج، يلعب قطاع التصنيع الغذائي دورًا مهمًا كمصانع معجون الطماطم، حيث يحمي المزارع من خسائر الأسعار المنخفضة ويبني مخزونًا استراتيجيًا محليًا يعزز من مناعة سلاسل الإمداد.

وبالعودة إلى التساؤل حول ضرورة السقوف السعرية، اعتبر الزعبي أنها أداة استثنائية تُستخدم في حالات الاضطراب الشديد أو الاحتكار، حيث يرى الوزير أن الظروف الحالية لا تستدعي فرضها، خاصة مع توقع انخفاض الأسعار في شهر نيسان المقبل نتيجة وفرة الإنتاج، لكن من منظور اقتصادي، يمكن القول إن السقوف السعرية قد تصبح ضرورة إذا استمرت الأسعار بالارتفاع بشكل يرهق المستهلك ويهدد الأمن الغذائي.

وتابع الزعبي أن أصحاب القرار يمتلكون أدوات مرنة لضبط الأسعار دون اللجوء إلى السقوف السعرية، مثل وقف التصدير والتنسيق بين الوزارات، مشيرًا إلى أن السقوف تبقى خيارًا احتياطيًا يجب تفعيله قبل أن تخرج الأسعار عن السيطرة، مما يتطلب تحقيق التوازن بين حماية المستهلك ودعم المزارع من خلال رقابة صارمة وشفافية في إدارة السوق.

في هذا السياق، بين الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. حسان العسوفي أن الحكومة، ممثلة بوزارتي الزراعة والصناعة والتجارة، يمكنها ضبط أسعار الخضار والفواكه عبر حزمة متكاملة من الأدوات التي توازن بين حماية المستهلك واستدامة الإنتاج الزراعي.

وأضاف العسوفي أن إدارة العرض في السوق من خلال تنظيم التصدير مؤقتًا عند حدوث نقص محلي وضمان تدفق الكميات الكافية للأسواق المركزية يعد من الأدوات الأساسية، كما تلعب أنظمة الرصد اليومي للأسعار والكميات دورًا محوريًا في التدخل المبكر قبل تفاقم أي ارتفاعات غير مبررة.

وأوضح العسوفي أن السقوف السعرية ليست حلاً دائمًا، بل تُستخدم عادة في حالات الاختلال الحاد أو الأزمات لضبط الأسواق مؤقتًا، لكنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية مثل عزوف بعض التجار أو المزارعين عن التوريد إذا لم تغطِّ الأسعار تكاليفهم، لذلك يُفضل الاعتماد على آليات السوق مع تدخل حكومي ذكي ومرن عند الحاجة لتحقيق التوازن بين استقرار الأسعار وحماية المنتج الزراعي.

كما يسهم دعم صغار المزارعين والمنتجين وتنظيم وضبط الحلقات التسويقية وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد في تحقيق توازن السوق وضمان عدالة الأسعار، مما ينعكس إيجابًا على استقرار الأمن الغذائي في الأردن من خلال تعزيز استمرارية الإنتاج المحلي وتقليل التقلبات السعرية وضمان توفر المنتجات الزراعية بجودة وكميات كافية للمستهلكين.

بدوره، أكد رئيس الجمعية الأردنية لمصدّري ومنتجي الخضار والفواكه، المهندس مازن حمارنة، ضرورة تشديد الرقابة على الأسواق وتجار التجزئة، كما طالب بأن تعمل الحكومة على فتح أسواق موازية شعبية من المزارع مباشرة بالتنسيق مع أمانة عمان الكبرى.

وأشار حمارنة إلى دور جمعية حماية المستهلك في توجيه المستهلكين نحو النمط الاستهلاكي الصحيح، مبينًا أن وقف التصدير وتحديد سقوف سعرية يعد قرارًا خاطئًا، حيث سيلحق خسائر بالمزارع ويفقد الأسواق الخارجية.

وكان وزير الزراعة صائب الخريسات قد أكد خلال مقابلة صحفية أنه لا مبرر حتى الآن لفرض سقوف سعرية على الخضراوات، مشيرًا إلى أن الأردن لا يستورد الخضراوات وإنما بعض أنواع الفواكه فقط.

ولفت إلى أن قطاع الزراعة آمن، حيث وصلت نسبة الاكتفاء الذاتي من المحاصيل إلى 61%، موضحًا أن الاحتياجات اليومية من محصول البندورة تصل إلى 450-500 طن يوميًا.

وأشار إلى أن ارتفاع سعر البندورة خلال شهر رمضان كان نتيجة انخفاض الكميات الواردة للسوق، حيث كانت الكميات تتراوح بين 180-200 طن، مما يؤكد أن الكميات الحالية تكفي الاحتياج المحلي بالكامل.

وأوضح أن الوزارة ستقوم بوقف التصدير مؤقتًا إذا وجدت ارتفاعًا في الأسعار بحسب الاحتياجات، مشيرًا إلى أن العرض والطلب هما ما يحكمان السعر، مرجحًا انخفاض أسعار الخضراوات خلال شهر نيسان (إبريل) نظرًا لوفرة الإنتاج المتوقعة.